الغزالي
98
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مررت ليلة أسري بي على أقوام يخمشون وجوههم بأظافيرهم ، ويأكلون الجيفة ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس في الدنيا » . وقال الحسن رضي اللّه عنه : واللّه للغيبة أسرع في دين الرجل المؤمن من الأكلة في الجسد . وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه : يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ، ولا يبصر الجذع في عين نفسه . وروي : أن سلمان كان في سفر مع أبي بكر وعمر ، وكان يطبخ لهما ، فنزلوا منزلا ، فلم يتهيّأ أن يصلح لهم من الطعام ، فبعثاه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لينظر عنده شيئا من الطعام ، فلم يجد ، فرجع إليهما فقالا : إنه لو ذهب إلى بئر كذا ليبس ماؤها ، فنزلت هذه الآية : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ « 1 » . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أكل لحم أخيه في الدنيا قدّم إليه لحمه يوم القيامة ، ويقال : كله ميتا فإنّك أكلته حيّا فيأكله » ، ثم تلا قوله تعالى : أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً . وروي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري رضي اللّه عنه أنّ ريح الغيبة كانت تبين في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك لقلّتها . وأمّا في هذه الأزمان فقد كثرت الغيبة ، وامتلأت الأنوف منها ، فلا تتميز رائحتها ، ومثل ذلك كمثل رجل دخل دار الدبّاغين ، فلم يقدر على القرار فيها من شدّة الرائحة ونتنها ، وأهلها المقيمون فيها يأكلون الطعام ويشربون فيها ولا تتبيّن لهم تلك الرائحة المنتنة لأنها ملأت أنوفهم ، فكذلك أمر الغيبة في أيامنا هذه . قال كعب رضي اللّه عنه : قرأت في بعض الكتب أنّ من مات تائبا من الغيبة كان آخر من يدخل الجنة ، ومن مات مصرّا عليها كان أوّل من يدخل النار .
--> ( 1 ) سورة الحجرات ، الآية : 12 .